• ×

المساء ... وإيقاعية حادي الإبل

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
"خبر الجوف"

بسم الله الرحمن الرحيم

المساء ... وإيقاعية حادي الإبل


مع ذاك المساء الجوفي الجميل خلعت الشمس رداءها النهاري باستحياء , ولبست رداءها الليلي ؛ وانطلق ذاك الإيقاع الجميل ...وما بين سكاكا وطريف وعرعر ... هناك في البعيد...تتشكّل موسيقى الصحراء : "هي دو هي دو " و"دوه دوه " ... تناهى من وقع تلك الرمال الذهبية زجل صوت حادٍ مستحثا إبله للمجيء إليه ضمن سلّم موسيقي عنوانه " حدّاء الإبل " التي ما إن سمعت إيقاع ذاك النداء حتى اشرأبّت أعناقها ، وأصغت لحاديها بكل حرص ناصبة آذانها ، ولم يأخذ ذلك النداء سوى ثوان إلى أن هبّ قطيعه من كل حدب وصوب تلبية لندائه... وقد ردّدذاك الحادي تلك السمفونية بفقرات منغـّمة بدت ذات إيقاع سلس متشابه يسهل حفظه ويسري مفعوله في نفس السامع ؛ وذلك لوعيه بأن إبله تستحب السير أثناء سماعها صوته ، وتستعذبه أثناء وردها للماء ، وهي تطرب لذاك الصوت وتغشاها موجة عارمة من النشوة والبهجة حين تشنّف آذانها لسماعه... وحينما بدأ الصوت يقترب شيئا فشيئا في تلك الصحراء التي يخالها الناظر إليها شبرقا ذهبيا ؛ أطل علينا صوت حاد آخر أثناء رواحه إلى بيت أهله بقوله :
يا ويلي يا مبعد النيران والفّطّر شلـت الحيـران
وكان غرضه من هذا الحداء تسلية وتأنيس إبله بلحن تعزفه حنجرته ، ويلوكه تجويفه الفمّي كلمة كلمة ... يتناول مجمله اللحني كأول كلمة من كل شطر في بيته ، ويأخذ بترديد أصواته مع تمهُّله في الانتقال إلى كلّ صوت فيه ، و من حرف لآخر بشكل تدريجي بأصوات تتناسب وحركة سير ذلوله التي يحدو لها مع إيمانه بأنها هي التي تقود جيشه . وكان لذاك النداء تأثير عجيب أقرب إلى السحر، ومفعول قوي في إثارة العواطف وشحذ الهمم ، واستمالة النفوس حتى جاء صوت صدى من بعيد :
حدوتها وهي لك الفداء ُ إن غناء الإبل الحداءُ
لقد ارتبط الحداء منذ بدء حياة الإنسان العربي بوقع خفاف الإبل في الصحراء ، وكان العربي يروّح عن نفسه وناقته بحدائه هذا ، تؤنسه ويؤنسها في وحشة الصحراء ، هدفه من وراء ذلك حثّ راحلته على السير من أجل قطع تلك الفيافي والمسافات الطويلة ؛ فيأتي حداءه متوافقا مع حركة ناقته ، ليجاري تلك الحركة بين خفة وثقل ، وبطء وإسراع ، وصحة واضطراب،وفق ثنائية إيقاعية يتوحد فيها صوت الحادي مع وقع وئيد إبله . وقد نقل المسعودي (ت346 هـ) عن ابن خرداذبة أن : "الحداء عند العرب كان قبل الغناء... وأن الحداء أول السماع والترجيع عندهم ، ثم اشتق الغناء من الحداء"، وذكر في مروجه أن غناء العرب كان النصب ، وأنه كان على ثلاثة أجناس : الركباني ، والسناد الثقيل ، والهزج الخفيف . ولكن ابن رشيق اختلف معه في الرأي حينما قرّر أن أولية الشعر النصب " وهو غناء الركبان والفتيان ومنه كان أصل الحداء كلّه " ، وبذلك يجعل الحداء فرعا مشتقا من النصب كما ذكر ابن خرداذبة . ويذكر ابن خلدون في مقدمته ما يفهم من أن الضربين نوع واحد، وأنهما يرجعان إلى زمن واحد من حيث النشأة ، فيقول: "وأما العرب فكان لهم أولا فن الشعر ، وكانت البداوة أغلب نحلهم ، ثم تغنى الحداة منهم في حداء إبلهم ، والفتيان في فضاء خلواتهم فرجّعوا الأصوات وترنّموا ، وكانوا يسمّون الترنّم إذا كان بالشعر غناء". " وربما ناسبوا في غنائهم بين النغمات مناسبة بسيطة . ولسنا نجانب الحقيقة إذا قلنا أن حداء الإبل عند العرب كان قبل الغناء وأنه أول السماع والترجيع فيهم ، ثمَّ ما لبث أن اشتق الغناء منه. ، وأن غناء العرب كان النصب، وهو بدوره ينقسم إلى ثلاثة أجناس : الركباني ، والسناد الثقيل ، والهزج الخفيف.
وأشار ابن رشيق إلى أن أول من رجع الحداء و" أخذ في ترجيعه... مضر بن نزار، فإنه سقط عن جَمَل فانكسرت يده، فحملوه ، وهو يقول : وايداه، وايداه، وكان أحسن خلق الله جرماً وصوتاً، فأصغت الإبل إليه. وجَدَّت في السير، فجعلت العرب مثالاً لقوله ، ها يداً ها يداً ... يحدون به الإبل " .ويؤكد ابن رشيق : " أن كلام العرب كان كله منثورا، فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وذكر أيامها وفرسانها وسمحائها وغير ذلك من الحاجات ، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين كلامهم ، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا لأنهم شعروا به: أي فطنوا ". ومع وداعية وئيد الإبل يصدق فيها قول حادي الأوب :
يا مرحبا يا بِلْنا كل مانوينا شِلنا

الدكتور خلف بن خازر الخريشة



 0  0  659
التعليقات ( 0 )

Rss قاريء

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:43 صباحًا السبت 7 ذو الحجة 1439 / 18 أغسطس 2018.