• ×

الحنين إلى الوطن ... ؟!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


الحنين إلى الوطن ... ؟!

للوطن شأن عظيم عند الإنسان ، والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد عمرّ البلدان بحب الأوطان ، وإذا كان الطائر يحن إلى أوكاره ، فإن الإنسان أحق بالحنين إلى أوطانه ، وتهدينا المعاجم العربية بأن كلمة " وطن " تعني مربض الإبل أو الغنم ، ثم امتدت لتشمل الإنسان حين يتخذ منزلا أو مكانا يعيش فيه ، فالوطن عند ابن سيدة المكان حيث أقمت من بلد أو دار ، وهاهو ابن منظور يؤكد في لسان العرب بأن كل مقام أقام فيه الإنسان فهو موطن له ، ومنه جاءت مواطن مكة .
ويبدأ مفهوم الوطن بالإنجليزية من كلمة (Home) التي تعني الدار ، أو البيت ، أو القرية ، أو الحي الذي يقيم فيه الإنسان مع عشيرته ، وامتدت لتشمل المدينة ، أو الدولة أو المملكة التي ينتمي إليها الإنسان ، أو (هي مسقط الرأس) حيث المكان الذي ولد وتربى وعاش فيه الإنسان . كلمة (Home) مرتبطة بكلمة ( Homeland ) التي تعني ( الديرة ) أو الوطن ، ثم ارتبطت بها كلمة أخرى ( Homeless) أي من لا وطن له أو المشرد ، وكلمة (Homesick) وتعني المصاب بداء الحنين إلى الوطن ، ثم كلمة (Homesickness) التي تعني مرض الذي يسببه الألم المتأتي من الحنين إلى الوطن .
ومفردة " وطن " قديمة قدم الشعر الجاهلي ، فهذا امرؤ القيس حيث قال :
يذكرها أوطانها تل ماسح منازلها من بربعيص وميسرا
بربعيص وميسرا : موضعان .
وقال عنترة :
أحرقتني نار الجوى والبعاد بعد فقد الأوطان والأولاد
وقال طرفة :
على موطن يخشى الفتى عنده الردى متى تعترك فيه الفرائص ترعد
والفريصة بضعة تلي الكتف عند الجنب ، وهي أول ما يرعد عند الإنسان لحظة الفزع .
وفي العصر الإسلامي يؤكد علاء الدين الغزولى في " مطالع البدور في منازل السرور " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى أن حبّ الوطن من الإيمان ، ووردت كلمة الوطن عند عمر بن أبي ربيعة في قوله :
قد هاج قلبك بعد السلوة الوطن والشوق يحدثه للنازح الشجن
وقال جميل بثينة :
أنا جميل والحجاز وطني فيه هوى نفسي وفيه شجني
وتأتي صلة الإنسان بوطنه من خلال ارتباطه ببيئته لأنه ابنها ، وهي مكملة له في نشأته وتطوره ، ولها أثر كبير في تكوينه النفسي ، واستعداده الفكري ، وإبداعه العقلي . والناظر إلى كتب التاريخ يجد أن أهل البادية أصفى ذهنا من سكان المدن لصفاء أجواء البادية عن المدن ، وأهل المناطق الباردة أكثر حركة من أهل المناطق الحارة ، وفي المنطقة الواحدة يفضل أهل المناطق الجبلية أهل السهول نشاطا وصفاء ذهن . والإنسان أكثر التصاقا ببيئته من الحيوان ، فالجمل لا يستطيع أن يعيش في القطب الشمالي أو الجنوبي كما أن الدببة لا تستطيع العيش في الصحراء . والعربي لا يستطيع أن يكون منغوليا يخبئ رأسه بين كتفيه أثناء سيره كي يقي برد الرياح الشديدة التي تهب على المنغولي ، فارتفاع الأكتاف وقصر الأعناق عند المنغوليين جاءت نتيجة لعاداتهم في رفع أكتافهم رفعا مستمرا يقون به أعناقهم عادية الرياح الباردة .
و للبيئة ـ الوطن ـ أثر كبير على الإنسان في تكوينه ، ولونه ، ولغته ، وتفكيره ، وخياله ، وذوقه ، وأدبه ، وهي التي كست الأفريقي لونه الأسود ، والعربي لونه الأسمر البرونزي ، وأهل البلاد الباردة لونهم الأبيض . وللبيئة أثرها في اللغة ، فالسفينة لم تستغرق سوى بضع صفحات في معاجم اللغة في حين استغرقت الإبل جزءا من سبعة عشرة جزءا من مجموع اللغة في مخصص ابن سيدة .
ومنذ القديم جبل الإنسان على حب الوطن ، يحن إليه ، ويدافع عنه ، ويبذل كل غال ورخيص من أجله ، وهذا الحب لم يكن مقتصرا على قوم دون آخرين ، أو مجموعة من البشر دون أخرى ، وإنما هي ظاهرة عامة منذ بدء الخليقة . فهذا " سنوهيت " الفرعوني حينما فر هاربا إلى الشام بعد مقتل الملك " منمارت " ومطاردته من قبل" سنوسرت الأول " ، حيث استقبل استقبالا حافلا ، وعاش حياة سعيدة فيها ، إلا أنه عاد وحن إلى بلده مصر ، وتمنى أن يدفن فيها ، وهو القائل : " كنت فقيرا جائعا ... والآن أقدم الخبز إلى جاري
وكنت عاريا ... والآن البس الملابس البيضاء والكتان
وكنت لا أملك شيئا ... والآن أملك الخدم بكثرة
وأنت ـ يا أيها الإله ـ ... أعدني ثانية إلى المكان الذي يسكن فيه قلبي
لتدفن جثتي في الأرض التي ولدت فيها .
وهذا "أخيل" أحد أهم شخصيات الإلياذة اليونانية يقول كما ترجم البستاني :
سأقلع راجعا ولديّ خير أعاود موطني وأحل داري
وهذه إحدى حوريات الأوديسا تحاور "أوديسيوس" أحد أبطالها وتحضه على عدم الرجوع إلى الوطن ، لكنه يأبى ذلك ، وتقول أوديسا في الحديث " وبعد أيام قذفته الأمواج إلى الساحل ، فاستقبلته الحورية بكل ترحاب ، ثم هامت به وأبقته معها مدة تزيد عن سبع سنوات ، ثم اشتاق إلى وطنه ، وكانت تنقصه السفينة والملاحون ، فحاولت أن تثنيه عن عزمه حيث وعدته بالخلود والشباب الأبدي إن بقي معها ، لكن كل تلك الإغراءات لم تثنه عن الرحيل إلى وطنه .
وهذا الإسكندر المقدوني على عظمته وقوة بأسه كان دائب الحنين إلى وطنه ، وكان يؤكد في كل مقولة له أن الوطن هو الأول والأخير في حياة الإنسان ، فعلى ترابه يترعرع ، ومن أجله يحارب ويقاتل ، وفي ترابه يجب أن يتوارى .
وهذا ابن أثينا الشاعر الروماني سولون ( 640ق .م ) حينما احتلت جزيرة " سالامينا " جن جنونه ، وطالب بالدفاع عنها ، وتحريرها من الغزاة ، ووصل به الجنون إلى الحد الذي تمنى فيه تغيير وطنه حيث قال " ياليتني كنت أستطيع تغيير وطني ، وأنتمي إلى مدينة " سيكينوس " ، لأني لا أحتمل أن يشير إلي الناس قائلين : هذا هو أحد الأثينيين الذين تخلوا عن " سالامينا " ، فإلى الأمام ... إلى الأمام ... إلى " سالامينا " ، لنقاتل من أجل تلك الجزيرة ، ونطرد العار بعيدا عنا .
ولما غزا اسفنديار بلاد الخزر اعتل بها ، فقيل له ماتشتهي ؟ قال: شربة من ماء دجلة ، وشميما من اصطخر ، فأتى بعد أيام بماء وقبضة من تراب ، وقيل له : هذا من ماء دجلة ، ومن تربة أرضك ، فشرب واشتم ، وشفي .
فهؤلاء الجبابرة الذين لم يفتقدوا في اغترابهم نعمة ، ولا غادروا في أسفارهم شهوة ؛ حنوا لأوطانهم ، ولم يؤثروا على ترابهم ومساقط رؤوسهم شيئا . فكل عليل يتداوى بعقاقير أرضه ، لأن الطبيعة تتطلع إلى هوائها ، وتنزع إلى غذائها ، والعليل يشفى بنسيم أرضه كما تنبت الحبة ببل ّ القطر ، فوجود الإنسان بين أهله ووطنه كالحبة التي لا تستغني أبدا عن مطر بلادها .




الدكتور خلف بن خازر الخريشة

 3  0  1.9K
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    09-08-1434 06:58 مساءً حمود الرويلي :
    اصبحنا نشاهدعزوف واضح عن قراءة مثل هذه المقالات اللتي تكتب بماء الذهب,,,,,,,,,
    انت معدن نفيس يادكتور,,,,,,,,,
    بارك الله فيك
  • #2
    09-13-1434 06:17 صباحًا مهذال الفهيقي :
    مقالة لو تمعنا بها لا رأينا لوحة طغى عليها طابع الحنين و الشوق و ثقافة واسعة ألمى بها هذي هي أدوات الكاتب الحقيقي و أشكرك على هذه المقالة الرائعة لا فضَ فوك.
    إية إية نعم إنها الغربة و مرارتها .. اللهمَ لا تجعلنا في داري مضيعة و أنت خير الحافظين .
    ..(( للغربة مرارة و لذكرى حلاوة )).
  • #3
    09-18-1434 07:25 صباحًا جاري العزيز :
    جمال مقالاتك يا دكتور
    خذها بالعامية الي طالعة من القلب
    تبي لها جالسة مخمخة لان كل حرف له قيمة ومعنى
    أنا أول مرة شفتك فيها مع دكتوري العزيز
    قلت لزميلي الي معي هذا رجال مطنوخ
    وأكد علي رايي فيك
    وتأكدت فراستي فيك بجمال حرفك
    أتمنى إن كان لحرفك السابق والاحق مكان غير الأخباريات
    أن تدلني علية .
    فائق الإحترام والتقدير

Rss قاريء

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:01 صباحًا الأحد 10 شوال 1439 / 24 يونيو 2018.